محمد سالم أبو عاصي
38
علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف
( 2 ) اتباع معهود العرب في فهم الخطاب إذا كان هذا الذي قلناه واضحا ، وما إخاله يخفى على أحد من أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين ، وأنه اتخذ من قوانين اللغة وخصائصها في البيان أداة ونهجا وأسلوبا للتعبير عن معانيه . . أقول : إذا كان هذا هكذا ؛ فإنه ينبغي أن يسلك به في الاستنباط والاستدلال مسلك العرب في تقرير معانيه على ما هو المعهود عندهم في تلقي الخطاب . والمقصود بموافقة القرآن معهود العرب : أنه لم يخرج عن لغتهم من حيث ذوات المفردات والجمل وقوانينها العامة . فمن حروفهم جاءت كلماته ، ومن كلماتهم نظمت تراكيبه ، وعلى قواعدهم العامة في صياغة هذه المفردات ، وتكوين تلك التراكيب جاء تأليفه . فإن قلت : ما دام منزّله - جل شأنه - قد أجراه على سنن العرب في كلامها ؛ ففيم كان الإعجاز ؟ ونجيب عن هذا التساؤل بما أجاب به شيخ أشياخنا العلامة الدكتور محمد عبد اللّه دراز - رحمة اللّه عليه - في كتابه الفذ " النبأ العظيم " . . وذلك حيث يقول : " فإن قال : قد تبينت الآن أن سكوت الناس عن معارضة القرآن كان عجزا ، وأنهم وجدوا في طبيعة القرآن سرّا من أسرار الإعجاز يسمو به عن قدرتهم . ولكني لست أفهم أن ناحيته اللغوية يمكن أن تكون من مظانّ هذا السر ؛ لأني أقرأ القرآن فلا أجده يخرج عن معهود العرب في لغتهم العربية . فمن حروفهم ركّبت كلماته ، ومن كلماتهم ألّفت جمله وآياته ، وعلى مناهجهم في